إشترك :

الأحد، 19 فبراير، 2012

منهج الوهابية في التكفير والتفجير يقود البلاد إلى الفتنة



بيان المجلس الأعلى للتصوف ـ السودان ـ حول أحداث المولد
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
الثلاثاء 22 ربيع الأول 1433هـ الموافق 14 فبراير 2012م
المجلس الأعلى للتصوف
بيان توضيحي عن أحداث ساحة المولد بأم درمان
يقول الله تعالى : ( قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) (58) يونس .
وقال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (107) الأنبياء .
يطيب لنا بداية أن نهنئ جميع المسلمين بذكرى ميلاد خير العباد وسيد السادات أكرم خلق الله أجمعين سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وكل من اقتفى أثره واهتدى بهديه إلى يوم الدين ، سائلين الله عز وجل أن يحفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين .
أما بعد :
لقد عُرف أهل التصوف على مدى التاريخ دعاة خير وأهل سماحة وأخلاق كريمة ، يدعون إلى الله عز وجل ولسان حالهم ومقالهم يردد قوله تعالى : ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (125) النحل . وقوله تعالى : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) (159) آل عمران .
هكذا كان أهل التصوف ولا يزالون متمسكين بمنهج الوسطية والاعتدال ، لا يقرون العنف والغلو والتطرف في الدين ويرفضون التفريط والإفراط ، ويضعون في حسبانهم أهمية اعتصام المسلمين بحبل الله جميعاً وعدم تفرقهم والصبر على إخوتهم ومحبتهم للجميع حتى من آذاهم , إلا أن ذلك للأسف قد فهم ضعفاً وخنوعاً من قبل الجماعة الوهابية التكفيرية ، علماً بأن أهل الطرق الصوفية هم السند الدائم والقوي لكل من رفع راية التوحيد الحق وأبدى رغبته في تطبيق الشريعة الإسلامية السمحاء القائمة على العدل والإحسان .

    لقد صبر المسلمون بصفة عامة والطرق الصوفية بوجه خاص على الاستفزازات المتكررة الصادرة من الجماعة الوهابية التكفيرية التي تحاول فرض معتقدها وفهمها الخاطيء للدين على جميع المسلمين , وهذه الجماعة اتخذت من الأماكن العامة (ساحات ، حدائق وأسواق) وخاصة الأماكن المجاورة لتجمعات الصوفية منابر لنشر فكر التطرف والتكفير ووصف كل من خالفهم الرأي بأنهم أصحاب بدع وضلالات وشركيات ، بل وصل بهم التطاول لتكفير المسلمين والتعدي على حرمات أولياء الله الصالحين بالشتم والقذف . وبرغم هذا الأسلوب المستفز فقد صبر الناس عليهم كثيراً أملاً في أن يتوبوا ويرجعوا إلى رشدهم , ولكن أسلوبهم ظل كما هو فظاً غليظاً بل صار أكثر بغياً وفجوراً . ثم ازداد الأمر سوءاً بأن نصَّبوا أنفسهم للفتوى وهم ليسوا من أهلها فشكلت رأياً عاماً سالباً ، ومن تلك الفتاوي القول بحرمة بناء الأضرحة والقباب وإذا بنيت فيجب أن تهدم وتحرق ، بل ذهبوا لأبعد من ذلك وتجرأوا على أكرم خلق الله صاحب المقام المحمود والحوض المورود سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قالوا بكل تبجح و تطاول : ( إن من أفضل الأعمال التي يتقرب بها إلى الله أن تُهدم قبة محمد ) – والعياذ بالله – وبحوزتنا الكثير من الوثائق التي تثبت أقوالهم و فتاويهم تلك .
وقد نتج عن تلك الفتاوي أفعال عدوانية لا يمكن أن تصدر من شخص في قلبه مثقال ذرة من الرحمة والإنسانية ، وقد تمثلت تلك الأفعال في الآتي :
1/ ذبح حارس ضريح الشيخ إسماعيل الولي بالأبيض وهو شيخ هرم تجاوز عمره الثمانيين عاماً .
2/ هدم جزء من قبة الشيخ حسوبة – بمنطقة سوبا شرق .
3/ محاولة تفجير قبة الشيخ الحاج يوسف – بمنطقة الحاج يوسف ـ بحري .
4/ حرق ضريح الشيخ الفكي هاشم – شمال بحرى .
5/ حرق ونبش ضريح الشيخ إدريس ود الأرباب – بالعيلفون شرق النيل مرتين في حادثين متعاقبين .
6/ حرق ضريح الشيخ المقابلي – بالعيلفون شرق النيل .
7/ حرق ضريح الشيخ السنوسي – بنيالاً.
8/ الاعتداء على ضريح الشيخ بابكر محمد سعيد – بقرية كريعات شرق تمبول
9/ محاولة حرق ضريح الشيخ حمد النيل بن الشيخ أحمد الريح بأمدرمان يوم الجمعة 3 فبراير 2012م .
10/ الاعتداء على بعض المشايخ في مسايدهم عقب المولد النبوي الشريف .
وبالرغم من أن هذه الجرائم كلها تمت على نسق متشابه ومنطلقة من فكر واحد إلا أنها مرت دون العثور على الجناة وإجلاء الحقائق للرأي العام !! وقد وجدت بالطبع استنكاراً واسعاً من المسلمين وجماهير الشعب السوداني الذي عرف بأخلاقه السمحة ووعيه التام بأن هذا الأمر إنما هو جزء من مخطط إرهابي عالمي مدروس تقوده الجماعة الوهابية لهدم الإسلام .
وعندما لاحت بشائر المولد النبوي الشريف تحرك وفد يمثل مشائخ وعلماء الصوفية الحكماء صوب السيد معتمد أم درمان موضحين له خطورة التصديق بخيمة للوهابية بساحة مولد أمدرمان وذلك على خلفية الاعتداءات المذكورة آنفاً ، كما أن وجود خيمة للوهابية وسط تسع وسبعين (79) خيمة للصوفية يمثل استفزازاً واضحاً للمسلمين عامة ولأهل التصوف خاصة ، لا سيما أن مجيئهم لساحة المولد هو للإنكار وليس للاحتفال ، وقد دأبوا على كيل السباب والتجريح للمحتفلين ، ولذلك ليس من العدل ولا الحكمة إقحام فئة قليلة متطرفة وسط تلك الحشود الجماهيرية الضخمة المحتفلة المحبة لسيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وقد استمع السيد المعتمد لطلب أولئك النفر الكريم إلا أنه لم يعمل بتلك النصيحة ، علماً بأن السيد معتمد شرق النيل قد رفض التصديق بخيمة للوهابية استشعاراً منه بخطورة الجمع بين الطرق الصوفية والوهابية في مكان واحد ، خاصة وأن الاحتفال بالمولد يعتبر منبراً صوفياً خالصاً .
وفي مساء الأحد 29 يناير 2012م وكما توقع الحكماء فقد حدث تماماً ما كانوا يخشونه ويتحوطون له ، إذ جاء الوهابية إلى ساحة المولد النبوي الشريف وشرعوا كعادتهم في الانتقاص من قدر وعظمة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكالوا السباب والتكفير لمشايخ وعلماء الصوفية وعامة المسلمين مما أدى إلى اشتباكات لم يكن أحد يريد حدوثها .
أما في مساء الاثنين 30 يناير 2012م فقد تجمع الوهابية بأعداد كبيرة على الرغم من تعهد السيد معتمد أمدرمان بمنعهم , حاملين أسلحة نارية وأخرى بيضاء في تحرش واستفزاز واضح وصريح للسلطة والمحتفلين ، ودخلوا ساحة المولد وهم يرددون ( جاهزين جاهزين ) وزادوا على ذلك بالإساءة والتكفير عبر مكبرات الصوت ، مما دفع ببعض المتفلتين للدخول معهم في مواجهات عنيفة خلفت إصابات عديدة بين الطرفين لولا لطف الله لزهقت فيها الأرواح .
ثم في نهار الثلاثاء 31 يناير 2012م تحرك وفد كبير من مشايخ وعلماء الطرق الصوفية ـ يمثل سرادقات مولد أمدرمان ( 79 خيمة ) ـ واجتمع بالسيد والي الخرطوم على أمل تدارك اتساع الفتنة وحقن دماء المسلمين آملين أن يتم إلغاء تصديق خيمة الوهابية ، وقاموا بتسليمه مذكرة في هذا الشأن موقعة من كافة المشايخ إلا أن الأمر لم يتم حسمه في حينه . وتجدر الإشارة إلى أن الوفد قد قام بتسليم السيد الوالي نسخة من إحدى الصحف الصادرة في نفس اليوم والتي تحمل تهديداً واضحاً من الوهابية بقطع رؤوس مشايخ الصوفية ( الكفار ) على حد تعبيرهم .
وفي يوم الأربعاء 1 فبراير 2012م سمحت الجهات الرسمية للوهابية بمزاولة نشاطهم لمدة ساعة في خيمتهم بالمولد تحت حراسة وحماية الشرطة ، وفي تلك الأثناء انتظمت حشود كبيرة من أحباب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيرات سلمية بأسلوب حضاري ومثالي وراقٍ ، حاملين العديد من اللافتات المنددة بوجود الوهابية داخل ساحة المولد الشريف مطالبين الجهات الرسمية بإلغاء تصديق خيمة الوهابية .
وفي يوم الخميس 2 فبراير 2012م قرر مشايخ وعلماء وتلاميذ الصوفية الاعتصام بساحة المولد احتجاجاً على وجود خيمة الوهابية داخل الساحة وأبلغوا الجهات المسئولة بذلك الاعتصام ، وجرت على إثر ذلك اتصالات مكثفة بين مشايخ الصوفية وعدد من المسئولين بالدولة أثمرت عن إبعاد خيمة الوهابية من ساحة الاحتفال بالمولد الشريف ، وبرغم أن ذلك الإبعاد قد جاء متأخراً وحصراً على ساحة مولد أم درمان فقط إلا أننا نقدر وندعم موقف الدولة الموفق في ذلك الاتجاه .
لقد قصدنا من هذا البيان والسرد ما يأتي :
• إجلاء الأمر وتوضيح الحقائق ليعلم الناس جميعاً والإعلام خاصة ما قد جرى من مناصحات وتحوطات من قبل الطرق الصوفية قبل حدوث هذه التداعيات التي ذكرناها ، ولكشف افتراءات الجماعة الوهابية الذين أساءوا لعقيدة المسلمين، ولا يفوتنا أن نثمن الدور الفاعل الذي عبرت عنه الأقلام الحرة في هذا الشأن .
• لفت انتباه ولاة الأمر إلى أننا قد نبهنا إلى خطر تلك الجماعة التكفيرية مراراً وتكراراً لمعرفتنا بالشرع وواجبات الحاكم والمحكوم ، وإننا نطالبهم بحسم هذه الفئة المتطرفة وذلك لحفظ النسيج الاجتماعي والتعايش الديني المتسامح الذي عرف به أهل السودان حتى لا تدخل البلاد في نفق مظلم يؤدي بها لانقسامات واضطرابات نحن في غنىً عنها .
• توجيه نداء لكافة الناس أن هنالك فتنة قد بدأت تطل برأسها تهدد كيان السودان ووحدة المسلمين تقودها هذه الجماعة الوهابية بمنهجها الدخيل على الإسلام الذي أوله تكفير وآخره تفجير ، وعلى الناس أن يتنبهوا لحماية عقائدهم وشعائرهم ومقدساتهم وأماكن عبادتهم حتى لا يحدث لنا ما حدث لغيرنا في دول أخرى .
• كما نوجه رسالة مفتوحة لأولئك الوهابيين التكفيريين أن يعلموا أن جماهير المسلمين عامة وأهل التصوف خاصة الذين يشكلون الغالبية العظمى لأهل السودان قادرون على حماية دينهم ومنابرهم ومقدساتهم ، ولن يسمحوا لأقلية صغيرة دخيلة ذات فهم خاطيء للدين بالمساس والتعدي عليهم مهما كلف ذلك من تضحيات .
وختاماً ليعلم الجميع أننا معشرالصوفية لسنا بدعاة فرقة ولا شتات ولا فتنة ، وأننا دائماً وأبداً نضع نصب أعيننا مصلحة العباد والبلاد ، وسنظل كما عهدنا الشعب السوداني أهل حكمة ورحمة ورأفة وعزم وحزم .
ونسأل الله عز وجل أن يجمع شمل المسلمين ويؤلف بين قلوبهم ، ويجعل بلادنا وسائر بلاد المسلمين آمنة مطمئنة سخية رخية ويجنبها الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وأن يوفق ولاة أمورنا لما فيه الخير ويلهمهم الصواب ويرعاهم بعنايته ويزيدهم من فضله إنه نعم المولى ونعم النصير .وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

    اللجنة التمهيدية

0 التعليقات:

إرسال تعليق