إشترك :

الخميس، 10 فبراير، 2011

الكتاب الأسود… إختلال ميزان تقسيم السلطة والثروة في السودان


الكتاب الأسود… إختلال ميزان تقسيم السلطة والثروة في السودان
  إن هذا السفر جاء بعنوان ((الكتاب الأسود… وإختلال الميزان تقسيم السلطة والثروة في السودان). والذي نقدمه وثيقة عن أداء الأنظمة السياسية في تاريخ السودان الحديث, وهو ليس بالكتاب التحليلي الناقد, الصادر عن أهواء وأغراض, والتحامل علي فئة أو جهة. وإنما هو كتاب راصد للواقع, 

عارض للحقائق المجردة الموثقة, التي لا تنكرها العين ولا تخطئها البصيرة
          يعكس هذا الكتاب بشاعة الظلم الذي مارسته الأنظمة السياسية المتعاقبة علي البلاد منذ الاستقلال الي اليوم بصرف النظر عن توجهاتها وألوانها.. علمانية كانت أم إسلامية, ديمقراطية مزعومة كانت أم دكتاتورية. هذا الظلم البشع المتمثل في محاباة جهة واحدة من السودان علي حساب باقي جهاته. مؤثرة إياها بالعناية والرعاية والرعاية والاهتمام والتنمية. لقد جعلت الحكومات المختلفة, من الحكم أداة لتكريس  سلطة الإقليم الشمالي (ولايتي نهر النيل والشمالية) علي باقي أقاليم السودان الأخري, والتي قسمناها لأغراض الكتاب الي لخمسة اقاليم بما فيها الإقليم الشمالي وهي:- الإقليم الشرقي (القضارف, كسلا, البحر الأحمر), الإقليم الأوسط ويضم ولايات (الجزيرة, سنار, النيل الأزرق, النيل الأبيض, الخرطوم), الأقليم الجنوبي ويضم ولايات (أعالي النيل, بحر الغزال, الاستوائية), الإقليم الغربي ويضم ولايات (كردفان ودارفور). وقد تعمقت هذه المحاباة وتجذرت ضاربة عرض الحائط بكل القيم الانسانية والاسلامية, وحقوق المواطنة المتعلقة بواجبات الدولة تجاه مواطنيها, فلم تنظر اليهم بعين الأب, أو تعاير مطالبهم واحتياجاتهم بمعيار العدل, لا استثناء فيه, ولا إيثار لجهة دون أخريات. فاستمرأت هذه الحكومة وكذلك تلك الجهة المعنية لحال الظلم هذه فصارت تبكي وتوسم غيرها بالعنصرية والكيل بمكيالين, هي تمارسهما صباح مساء منذ فجر الاستقلال وحتي اليوم.
          فقد أضاعت الأنظمة السياسية مصداقيتها,وفقدت مع ذلك – وبلا استثناء – صفة الدولة الراشدة, ولم تعد جديرة بتأييد الكيانات والجماعات والأفراد المنتمين لمجموعة (ظل السلطة) علي غرار ظل الأمطار.
          هذا الكتاب أردنا به تسليط الضوء علي هذا الواقع, حتي تستبين الرؤية للجميع, وينجلي الامر, وينزاح عن الأعين كل غبش, وصولا للحقوق, كما أرهقت كواهلنا الواجبات.
          إن هذه الدولة التي تدخل الألفية الثالثة بطموحاتها وآمالها, متناسية الأداة الموصلة لذلك, والمتمثلة في مواطنها المنتسب إليها, الحامل لحمومها, السند المأمول لها. فلا تلتفت لآلامه ومواجعه, غير آبهة بالمرارات المعتملة في صدره, من غبن عميق, عمقه جهل مزري مقصود, ومرض مقعد, وفقر تجمعت كل أسباب بقائه, وسبل دوامه, حتي عشعش وفرخ صراعات قبلية دامية, أتت علي الأخضر واليابس, ومع ذلك تطالب الدولة هذا المواطن أن ينهض, ويقيم صروح التنمية - وبجهده الذاتيما تريد أن تصل به سوابقها من الشعوب, التي استعد حكامها وأعدوا لمثل هذا الأمر عدته.
          لعرض هذا الواقع المرير قسمنا هذا الكتاب الي فصول هي:-
الفصل الأول .. التعريف بالسودان وموارده:-
استعرضنا فيه حدود هذا الوطن, وما فيه من انسان, وما يقف عليه من امكانات وثروات, كان يمكن ان تغير من واقعه, اذا ترسم حكامنا طريق العدل, وتبعوا منهاج
المساواة – في الفعل كما رفعوا ويرفعون من شعارات تتكرر كل يوم.
الفصل الثاني .. التعريف بالدولة وسلطاتها
          وقصدنا ان نقدم للقاريء الكريم نبذة عن ما اتفق عليه العلماء في تعريف الدولة وعلاقة سلطاتها بالمواطن, والالتزام المتبادل ما بينهما, تحت مظلة الحقوق والواجبات.
الفصل الثالث .. صور من اختلال ميزان تقسيم السلطة
وفيه يقف القاريء علي تكريس السلطة في أيدي نخبة من جهة إقليمية واحدة. وكيف استغلت هذه الجهة السلطة بجميع اوجهها لجعل هذا الاختلال أمرا واقعا, فصار هذا الواقع وما تبعه من ظلم هو الأصل وما عداه هو استثناء ! وكل نداء للتصحيح يوصم بالعنصرية والجهوية, وبات شعار (اللاسامية..!) بين عشية وضحاها بين ظهرانينا. ومورست الجهوية بقوة وتنظيم مكن ممارسيه من استلاب حقوق الغير وطمس معالمها وتكميم اي فاه ينادي بغير ذلك.
الفصل الرابع .. صور من اختلال ميزان تقسيم الثروة
          وفيه يظهر تأثير اختلال توزيع السلطة علي توزيع الثروة, وكيف استغلت الأولي لتوظيف الثانية, ابقاء للسلطة في موقعها, وسيعا لاستدامة الحال من سيادة عنصر قبلي جهوي المنشأ علي باقي العناصر. في زمان باتت الثروة والقدرة الاقتصادية فيه هي الفصل والفيصل.
الفصل الخامس ..الرؤي المستقبلية
          وهي قراءة للواقع, قراءة استباق, واستقراء به لمآلات الحال اذا استمرت الامور كما هي عليه الآن. قاصدين بذلك اطلاق صفارات الإنذار لادراك وحدة الوطن, وابقاء كيانه قويا موحدا, ولله قصد السبيل
الفصل السادس .. نتف من حصاد الهشيم
          وفيه نقف بالقاريء علي الأفكار التي بنت عليها هذه الأقلية وجودها وصاغت منها أهدافها, نري كيف ابتكرت لنفسها وسائل جديدة وسوغت لها من مبررات للقضاء علي الخصوم واحتكار السلطة والمال والجاه, جارفة كل القيم والمثل, ماسحة كل الاعراف, رامية وراء ظهرها المعتقد الذي اتخذته وسيلة لتبلغ به غاية الغايات …. السلطة الثروة
الفصل الأول
التعريف بالسودان
الموقع:-
يقع السودان بين خطي طول 14 و 38 شرقا, وخطي عرض 4 و 22 شمال خط الاستواء بمساحة تقدر بنحو 968 الف ميل مربع. ويخترقه في الوسط نهر النيل. ويجاور السودان تسع دول هي تشاد و افريقيا الوسطي والكنغو الديمقراطية ويوغندا وكينيا واثيوبيا واريتيريا ومصر وليبيا ويطل علي البحر الأحمر بساحل يبلغ طوله 309 كيلومترا وبه عدة أقاليم مناخية متميزة. فشمال خط العرض 16صحراء قاحلة لا زراعة فيها الا في حوض النيل. وجنوب خط العرض 10 ذو مناخ استوائي رطب ويشمل الولايات الجنوبية, وما بين الخطين امتداد لحزام السافنا تتدرج من الفقيرة شمالا الي الغنية جنوبا.
          هذا الواقع الجغرافي المتميز أثر علي التركيبة السكانية للسودان وجعل منه بوتقة انصهار تمازجت فيه كافة العناصر الاثنية في المنطقة, مما أفرز مزجا سكانيا متفردا أعطي للسودان ذاتيته الدالة عليه.
2- السكان:-
          يبلغ تعداد السكان (24,940,703) نسمة وفقا للاحصاء السكاني الرابع اعام 1993م ونسبة نمو بلغت 2,6% وتوزع السكان علي النحو التالي:-
1-     الاقليم الشرقي (كسلا – القضارف – البحر الأحمر) 3,051,958 نسمة, بنسبة 12,2% من سكان السودان.
2-      الاقليم الشمالي (الشمالية, نهر النيل)   1,291,620 نسمة وبنسبة 5,3%
3-     الأوسط (الجزيرة – سنار – النيل الأبيض – النيل الأزرق – الخرطوم) 8,829,367 نسمة وبنسبة 35,4%
4-      4 -             الإقليم الغربي (كردفان ودارفور)   7,912,285 نسمة وبنسبة 31,7%       
5-     الاقليم الجنوبي (أعالي النيل – بحر الغزال – الإستوائية) 2,845,480 نسمة وبنسبة 11,4%
والجدير بالذكر أن تعداد سكان ولاية الخرطوم – والتي ذكرت ضمن الاقليم الاوسط – يبلغ 3,413,034, ويشكل القادمون اليها من ولايات الجنوب والغرب أكثر من نصف سكانها الحاليين, وهم يسكنون الاطراف منها, لأنهم نازحون اليها بكثافة, هربا من جحيم الحرب في الجنوب, وفرارا من تغول الجفاف والتصحر وانعدام التنمية الكامل في الغرب.
الموارد الطبيعية:-
هذا البعد المساحي الكبير, والذي يحوي عدة مناخات وسهل فيضي خصيب, وجيوب متنوعة تبلغ في جملتها نحو 120 مليون فدانا صالحة للرعي والغابات. ولم تستغل للزراعة من هذه المساحة سوي 16 مليون فدان فقط, يزرع معظمها بالأمطار رغم توفر المياه الجوفية والسطحية. ويعتمد اقتصاد الصادر علي مناطق الزراعة المطرية لأن منها الفول السوداني والكركدي والسمسم وحب البطيخ والصمغ العربي, ومنها تأتي الماشية أيضا والإبل والضأن. كما تم أخيرا اكتشاف واستغلال الذهب والبترول, وبقية المعادن التي تنتظر الأستغلال مثل الغاز الطبيعي والنحاس ومعها ثروات البحر الأحمر والموارد السياحية الكامنة.
التقسيم الإداري للسودان:-
قسم السودان وفقا للمرسوم الدستوري الثاني عشر عام 1994م الي ست وعشرين ولاية منها ثلاث ولايات في الشرق وولايتين في الشمال, وخمس ولايات في الأوسط بما فيهن الخرطوم وست ولايات في الغرب وعشر ولايات في الجنوب ولكل ولاية حكومتها ومجلسها التشريعي. الا أن السمة الغالبة علي هذا التقسيم هي التفاوت الشديد في حظوظ التنمية. فاذا استثنينا الجنوب لظروفه فإننا نجد أن التنمية انحصرت في الشمال والخرطوم وجزء من الأوسط, وجزء من ساحل البحر الأحمر(للضرورة). فالإقليم الغربي بأكمله ليس به مشروع واحد يمكن أن يسند محافظة لمدة أسبوع, حتي مصفاة الأبيض تبيع ناتجها في موقعه بسعر السودان كله, أما المجلد وأبوجابرة فيكفي أن نصيب أهلها هو العمل في حفر خط أنابيب النفط فقط كتمرين لهم ليدفنوا آمالهم وأحلامهم المرتبطة بالاستكشافات النفطية في مواقعهم, إذ أنهم حرموا من العمل في منشأتها حتي كسائقين إذ تم استيرادهم من الخرطوم, مثلهم مثل رجال الأمن هناك, الذين تم اختيار ضباطهم ومعظم جنودهم من عنصر واحد معلوم. حفاظا علي عدم خروج دينار واحد الي أيد غير ما اعتادت عليه.
الفصل الثاني
تعريف الدولة وسلطاتها
عناصر الدولة:-
اختلف فقهاء القانون الدستوري في تعريف الدولة الا أنهم أجمعوا فقهيا حول عناصرها ومكوناتها. فقد عرف فقيه القانون الدستوري  العميد (كلسن) الدولة بأنها ( التشخيص القانوني لأمة ما). وذهب آخرون وفي مقدمتهم الفقيه (ديجي) في تعريفهم للدولة استنادا علي عناصرها ومكوناتها. (الأرض, السكان, السلطة).
ويقول الأستاذ جمال البنا:- هناك خمس معايير لا بد من الالتزام بها ليكون الحكم اسلاميا حقا وهي:-
أ‌-       أن يكون الهدف اعمار الأرض (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) البقرة.
ب‌-  أن يكون المناخ هو الحرية, (لا اكراه في الدين)
ت‌-   أن يكون المحور هو العدل, (ولا يجرمنكم شنئان قوم علي ألا تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوي) المائدة. ويقول تعالي في الحديث القدسي (يا عبادي إني حرمت الظلم علي نفسي وجعلته حراما بينكم فلا تظالموا)
ث‌-  أن تكون وسيلة اتخاذ القرار هي الشوري . (وشاورهم في الأمر وإذا عزمت فتوكل علي الله)
ج‌-    أن يكون الحكم رسالة. وأن يكون الحكم بما أنزل الله وأن يكون أداة للتعبد.
والدولة في مفهومها الحديث تتطلب توفر العناصر التالية:-
أ‌-       الأرض:- بمثابة الرقعة الجغرافية وقد أقرتها أطراف العلاقة في القانون الدولي.
ب‌-  السكان:- وهم العنصر البشري الذي يعيش في تلك الرقعة من الأرضز
ت‌-  السلطة الحاكمة:- ويقصد بها السلطة التي تتولي الحكم ويسند اليها ادارة الأرض والسكان طبقا لمؤسساتها وقانونها  الوطنية. فتأسيسا علي ذلك فان الرقعة الجغرافية التي يديرها زعيم القبيلة او العشيرة لا تكسب صفة الدولة. وهذا ما يقودنا الي مفهوم السياسة والحكم, وقد ورد في الموسوعة الألمانية حول (السياسة) بأن السياسة هي فن الممكن, والتعامل بالمصالح الكلية للجماعة وصولا الي هدف السلام والرخاء العام, ورعاية حاجات الناس من أجل تحقيق السعادة المرسلة, وهي بذلك أيضا (فن حكم الجماعة)
شروط الإعتراف بالسلطة الحاكمة:-
            أولي هذه الشروط وأهمها يكون تجاه الأرض, وذلك بحمايتها من الخطر الخارجي, ودحر العدوان عليها بغرض الإحتلال. وتعامل المواطنين وهم يؤدون واجباتهم بالتساوي في الحقوق, وعلي الدولة أن توفر لهم الأمن والحماية, وتبذل وسعها في توفير حياة كريمة لهم مع اشاعة الحريات وبسط الشوري, وتمكين المواطنين من المشاركة في السلطة وذلك دون تمييز باعتبار الدين أو العرق أو اللون أو الجنس..
          والسلطة الحاكمة وهي تقوم بهذا الدور, ولا يتأتي لها ذلك الا من خلال قانون عام ينظم مؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة, ويفصل بين السلطات. هو ما تم التعارف عليه(بمبدأ الفصل بين السلطات).
وهنا نقف قليلا لنلقي الضوء علي سلطات الدولة:
أ‌-       السلطة التنفيذية:-
 (أو الجهاز التنفيذي) وهو المنوط به تنفيذ سياسة الدولة, الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية, ورعاية علاقة الدولة بالمجتمع الدولي ويكون خاضعا لرقابة السلطة التشريعية, وملتزمة بتشريعاتها.
ب‌-  السلطة التشريعية:-
  ووظيفتها سن القوانين المتعلقة بسياسات الدولة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وهي تمثل ضمير الأمة الذي ينبض بالقيم والمثل العليا….الخوتستوحي عملها من الدين والعرف والقانون الطبيعي وقواعد الدولة. هي ساحة خصبة لممارسة المشاركة الجماهيرية في السلطة, وقراراتها ملزمة لكافة أجهزة الدولة ومؤسساتها. هي نفسها ملزمة باحترام القوانين وقد سنتها ابتداء. وكما عليها مراقبة عمل السلطة التنفيذية ومحاسبتها
ت‌-   السلطة القضائية:-
وتكمن وظيفتها في تطبيق القوانين, والرقابة علي الدستور, والفصل في القضايا تحقيقا للعدالة ورفع الظلم. بذلك يتوجب عليها التزام جانب الحياد والاستقلال الكامل, وهي مخولة بذلك بالفصل في المنازعات بين كافة الأطراف, شخصية كانت أم اعتبارية حسب تدرج المحاكم لتنتهي بالمحكمة الدستورية كأعلي درجة للتقاضي.
ث‌-   الإعلام:-
هذه السلطة التي برزت حديثا الي السطح, وانتزعت لنفسها وبالدور الذي تلعبه موقعا في أجندة الفقه الدستوري الحديث, فصارت سلطة بتعريفهم إياها. وقد لعب الاعلام جملة أدوار, تشابه ما تقوم به السلطة التشريعية الي حد كبير في مجال الرقابة, وتعين باقي السلطات بتسليط الضوء علي القضايا الملحة, ذات الإهتمام المشترك.
فهي الصوت المعبر والضمير المراقب, والحاجز الذي تقف عنده كل التجاوزات, بتصديها لمواطن الفساد والافساد, وتتحقق سلطتها اذا قامت بدورها المذكور بكامل الشفافية ونكران الذات.
الفصل الثالث
صور من اختلال ميزان تقسيم السلطة
1-    التعينات الدستورية:-
السلطة هي عنوان الدولة , وهي أداو سلطانها وقوتها ومصدر هيبتها. وبها تتحقق قوامها ورشدها. وفيها وبها تتحقق الشعارات التي ترفعها. والسودان بوجوده الجغرافي, علي الرقعة التي فوقها ارتفع علمه, رمزا للسيادة واعلانا عن السلطة – والحكم الذي يمارسه أبناءه, وفق ما ارتضوه من نظام أو تواضعوا عليه من مواثيق, أكدت جميعها علي تساويهم في الحقوق والواجبات, ومن ثم تساويهم في ادارة السلطة بحق المواطنة ودون تمييز لعنصر فوق عنصر او جهة دون أخري.

          ومنذ الحكومة الوطنية الأولي ظهرت جليا الفوارق ما بين الشعارات المرفوعة والواقع الذي بدأ يتبلور بعد أن أطل باكرا برأسه

          لقد أنست فرحة الاستقلال والشفافية التي أبدتها بعض قيادات تلك الفترة والثقة العظيمة التي أولتها لهم القواعد, وحسن النوايا الغالي, أنسوا الناس التفاوت البين بين قدرات أبناء الإقليم الشمالي السياسية وقدرات ياقي أبناء الوطن في هذا المجال. خاصة وأن الإدارة الشعبية وصوتها تمحورا في قطبين طائفيين. تسلماها علي أطباق الذهب وبدأت كل قيادة تحسس سبل الاستفادة من هذه القوة الجديدة, في استدوام السلطة عندها بعد الوصول بها الي سدتها. فبدأت ظاهرة تصدير النواب بامر السادة الي مناطق الولاءات العمياء, اغلاقا لأي باب أو كوة يمكن أن يتسلل عبرها خيط ضوء فاضح لذلك الاستغلال والاستغفال. ووضعت الطائفية لذلك حجر الأساس, وطرحت معالم لطريق تعامل الحكومات المتعاقبة مع المناطق التي تسمي تأدبا (بالمهمشة). فسارت عليه كل الحكومات والأنظمة, مؤكدة فشلها في تحقيق أدني قدر من العدالة في تقسيم السلطة, أو جعلها معبرة عن جميع اركان هذا الوطن. فبذرة الاستغلال تلك افرزت واقعا ثابتا لا يتزحزح, وهيمنة الاقليم الشمالي علي الجهاز التنفيذي وتوظيف هذه الهيمنة لاستدامتها, وخلق الظروف والمواثيق التي هذه الحقيقة سنة ماضية وقدرا مقدورا.
          فقد ظلت نسبة التمثيل لأبناء الاقليم في الوزارة الاتحادية ثابتة رغم التحولات التي طرأت علي الساحة الفكرية, والكسب المعرفي لأبناء باقي ابأقاليم. فقد حافظت علي نسبة وجود فوق ال 50% لم تنقص قط طيلة كل الحقب وأحيانا تصل الي فوق السبعينات. ولم يحكم السودان قط رئيس من خارج الاقليم الشمالي منذ فجر الاستقلال حتي اليوم.  وهناك عدة انقلابات فشلت لأنها تقاوم اذا علم أن قائدها ليس من الاقليم الشمالي.
          واذا استعرضنا سلطات الدولة المذكورة سابقا وطرحناها علي بساط البحث مقارنين أثر الحكومات السابقة علي هذه السلطات, لاتضح لنا هذا الكم من الاستغلال الذي رسخته مسيرة الحكومات المتعاقبة في حقبة السودان الحديث. وآثرنا أن يكون خطابنا الآن عبر الأرقام
السلطة التنفيذية:-
التمثيل الجهوي في توزيع المناصب الدستورية في الحكومات السابقة:
أ‌-       من العهد الوطني الي الاستقلال وحكومة الفريق ابراهيم عبود (1954 – 1964م)
بلغت جملة المناصب الدستورية خلال تلك الحقبة (73 ثلاثة وسبعين منصبا) كان نسبة تمثيل أبناء الأقاليم الخمسة المذكورة فيها كما يلي:-
الرقم
إسم الإقليم
نصيب من
المناصب الدستورية الاقليم
نسبة التمثيل المئوية
1
الإقليم الشرقي
1 واحد
1.4%
2
الإقليم الشمالي
58 ثمانية وخمسون منصبا
79.5%
3
الإقليم الأوسط
2 فقط منصبان دستوريان
2.8%
4
الإقليم الجنوبي
12 فقط اثنا عشر منصبا دستوريا
16.4%
5
الإقليم الغربي
صفر (لم ينجح أحد)
صفر%

علما أن توزيع السكان وفق إحصاء 1986م للأقاليم المذكورة كما يلي:-
1- الإقليم الشرقي     2.212.779     بنسبة بلغت     11.8%
2- الإقليم الشمالي    1.016.406     بنسبة بلغت     5.4%
3- الإقليم الأوسط    4.958.038     بنسبة بلغت     26.5%
4- الإقليم الجنوبي   4.407.450     بنسبة بلغت     23.7%
5- الإقليم الغربي    6.072.872     بنسبة بلغت     32.6%
ويلاحظ هنا أن نسبة 5.4% من جملة السكان في ذلك الوقت يمثلون في السلطة التنفيذية بنسبة 79.5% طيلة خمس حكومات متعاقبة دون ذكر التعديلات الداخلية فيها, والحكومات هي:-
1- الحكومة الوطنية الأولي      يناير 1954م           بزعامة الأزهري
2- الحكومة الوطنية الثانية              1955م              بزعامة الأزهري

0 التعليقات:

إرسال تعليق